علي بن أحمد المهائمي
638
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
ولما فرغ عن بيان نجاته من غم التابوت ، وغم قتل فرعون إياه على أنه الغلام الذي هلاك ملك فرعون على يديه ، ونجاة أمه كذلك ، شرع في بيان نجاته من غمّ قتل فرعون إياه قصاصا ، فقال : ( ثم إنه وقع عليه الطلب ) من جهة فرعون ؛ ليقتله قصاصا ، ( خرج ) من ملكه ( فارّا ) من فرعون ؛ ( خوفا ) من القصاص ( في الظاهر ) ، أي : في ظاهر قصده ، ولكن ( كان ) فراره ( في المعنى ) المطلوب بالذات مضمنا في ذلك القصد ( حبّا في النجاة ) ، إذ الفرار حركة ، ولا يطلب بها بالذات الخوف ، ( إن الحركة ) من حيث يطلب بها الوصول إلى المتحرك إليه ( أبدا ) ، أي : سواء كانت عن خوف أو غضب أو هيمان ، ( إنما هي حبية ) أي : راجعة إلى طلب محبوب من وجه من الوجوه ، كالاستقرار في الحيز الطبيعي في الحركة الطبيعية ، والإجراء على خلاف الطبع في القسرية ؛ ( وذلك لأن الأصل ) في الحركات طلب الكمال وهو محبوب ؛ فلذلك كان في أول الحركات ، وهو ( حركة العالم من العدم الذي كان ساكنا فيه ) ، وهو نقص ( إلى الوجود ) ، وهو كمال للعالم ، وكذا لوجود الحق ولعلمه ، لكن من حيث كونها نفس الوجود والعلم . ( ولذلك ) أي : ولكون وجود العالم حركة عن العدم إلى الوجود ( يقال : إن الأمر ) أي : المطلوب بأمر « كن » ، ( حركة عن سكون ) ؛ فإنه إنما أمر لتحصل له ، وللمأمور الكمال المحبوب لهما ، وهو حصول الوجود للعالم ، ورتبة الوجود الحادث والعلم الحادث للوجود والعلم اللذين أعلى مراتبهما للحق ، فكان الوجود الحادث والعلم الحادث حاصلان له ، ( فكانت الحركة التي هي ) سبب ( وجود العالم حركة حب ) من الحق ومن العالم ، وكيف لا تكون حركة حب من الحق ، ( وقد نبّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك عن اللّه بقوله : « كنت كنزا مخفيّا لم أعرف ؛ فأحببت أن أعرف » « 1 » ) ؛ فالحبّ سبب هذه الحركة التي هي سبب وجود العالم . [ فلو لا هذه المحبّة ما ظهر العالم في عينه ؛ فحركته من العدم إلى الوجود حبّ الموجد لذلك ، ولأنّ العالم أيضا يحبّ شهود نفسه وجودا كما شهدها ثبوتا ، فكانت بكلّ وجه حركته من العدم الثّبوتي إلى الوجود حركة حبّ من جانب الحقّ ومن جانبه ، فإنّ الكمال محبوب لذاته ، وعلمه تعالى بنفسه من حيث هو غنيّ عن العالمين هو له وما بقي له إلّا تمام مرتبة العلم بالعلم الحادث الّذي يكون من هذه الأعيان ، أعيان العالم ، إذا وجدت ، فتظهر صورة الكمال بالعلم المحدث والقديم فتكمل مرتبة العلم بالوجهين ، وكذلك تكمل مراتب الوجود ؛ فإنّ الوجود منه أزليّ وغير أزلي وهو الحادث ، فالأزليّ وجود الحقّ لنفسه ، وغير الأزليّ وجود الحقّ بصور العالم الثّابت ،
--> ( 1 ) سبق تخريجه .